حسن بن موسى القادري

237

شرح حكم الشيخ الأكبر

صحّ عند النّاس أني عاشق * غير أن لم يعرفوا عشقي لمن ثم بعد ما عرفت هذا ، وأوعيت في قلبك ، فاعلم بأن محبة الشيء لا تكون إلا بعد معرفته ؛ لأن محبة المجهول محال ، فالمحب للّه لا تكون إلا بعد معرفته إيّاه بأنه هو الظاهر ، وأنه هو الباطن . 46 - الحق تعالى ظاهر من حيث مخلوقاته ، باطن من حيث ذاته . فأشار الشيخ قدّس سرّه إلى هذا بقوله : ( الحق تعالى ظاهر من حيث مخلوقاته ، باطن من حيث ذاته ) أي : الحق سبحانه وتعالى ظاهر غير خفي حسّا باعتبار الموجودات العينية ؛ لأنه تعالى هو الظاهر فيها ، وهي مظاهر له ، فلا ظهور لشيء إلا ظهوره ، والمخلوقات ظلمة لا تدرك إلا بنور ظهوره ، كما أن النور لا يدرك إلا بالظلمة ، وأمّا من حيث ذاته الغنية عن العالمين ، فباطن خفي حسّا وعقلا ؛ لأن ذاته لا تدرك من حيث الكنه ، والمراد أن الحق تعالى على ما ظهر لأهل الكشف مشهود محسوس في خلق موهوم أي : الظل المتخيل والخلق معقول فلا يدرك إلا بالعقل والخيال ، بل لا وجود إلا في العقل والخيال ، كما مرّ غير مرة . فمن يشهده على هذا المنوال فهو ماش على طريق مستقيم يعرفه ويعرف غايته ، وداع إلى اللّه على بصيرة ؛ لأنه يعرف أنه يدعوا اسم اسما على اسم إلى اسم ، فيعرف أنه غير مفقود في البداية كما في النهاية ، وعلمه بمنزلة الماء العذب الفرات السائغ للشارب ، فينفع صاحبه ، وما عدا هذا من المحجوبين كالحكماء ، والفقهاء ، وعامة الخلق ، والمتكلمين على أن الخلق مشهود والحق معقول ، فعلمهم بمنزلة الملح الأجاج لا يروي الشارب ، بل يزيد العطش وهو ماش على طريق مجهول عنده ، ويعرف أنه تعالى مفقود في البداية وموجود في النهاية ، وداع إلى اللّه على التقليد والجهالة لا على البصيرة . وليس المراد أن الاعتبار في الظاهر والباطن مختلف كما هو المتبادر ، بل المراد أن الاعتبار والجهة فيها واحد ، فظهوره هو مخلوقاته ولا فرق إلا بالإطلاق والتقييد ، كما عرفت فهو ظاهر من جهة ما هو باطن ، كما أنه باطن من جهة ما هو ظاهر ، فلا تغفل ؛ لأن معرفة الحق تعالى إنما تكون لجميع الأضداد فيه من وجه واحد ، كما مرّت الإشارة إليه فيما سبق .